سقوط حر

بشير قنقر

 2017شباط - آذار 

قيّم المعرض جاك برسكيان

 يستكشف "سقوط حر" التغيير في المشهد المعماري الذي يحيطنا والطرق التي تؤثر بها على سلوك الانسان. البنايات، والشوارع، والمساحات العامة، والبنية التحتية  التي تحولت الى مكان غريب ومزعج حيث

تم ابتلاع الانسان من خلال الجشع والشراهة لزيادة الأرباح المادية على حساب القيم والأخلاق والمجتمع. ـ

عن المعرض

ملك عفونة

"وكان ذلك حين انقرض المكان وتوحّش، وطاردتني المساحة"

حسين البرغوثي، حجر الورد

 

في هندسةٍ تحبسُ المكان، لا يبقى من احتمالات المشهد الطّبيعي سوى حصارٍ من الجدران والواجهات المقفلة، تقطّع أوصاره وتتصدّره في عنف بصريّ ممنهج قائم على تكرار مثير للجنون، كتل متشابهة من الإسمنت والحجارة تتكدّس وتهاجم المساحة، فيما يبدو الفضاء في محاولات حضوره المشتّت كما لو خسر نزاله الأخير مع المكان، أمّا المكان فيشبه صخرةً ثقيلة تحمل عبء الخواء.

تتنفّس المدينة بثقل تحت وطأة نمط معماريّ مصطنع لا يكفّ عن استنساخ أبنية مفتعلة تظهر بمثابة علامات شرسة متوثّبة تقيم علاقتها مع المكان على الحدّة والتوتّر، في محاولة للسّيطرة وفرض وجود ماديّ يصرّ على التنصّل من الطّبيعة وطردها شيئًا فشيئًا من هويّة المكان، حتّى بات ظهورُ بعض المساحات الخضراء يشبه مفاجأةً. اقتلاع الطّبيعة هذا مجرّد واجهة بشعة لاقتلاع آخر أشدّ قسوة، يتمثّل في اقتلاع الجذور الاجتماعيّة والنّفسيّة بما في ذلك من إعادة إنتاجٍ للمكان.

ما بين البحث عن الثّروة وعرض الثّروة؛ تتنافس على انتزاع الحيّز من تاريخه كياناتٌ طارئة تنقسم إلى جبهتين من عمارات سكنيّة وتجاريّة تفقد معناها الوحيد خارج وظيفتها الرأسماليّة، وڨِيلاتٍ تكتسب معناها الوحيد بفعل استنساخها للمعمار الكولونياليّ كاعتراف ضمنيّ بتفوّقه. تُخلخل هذه العلاقة طوبوغرافيا المكان وتجرّده من مستقبله كوطن، في حين لم يجعل كلّ هذا الإسمنت وهذه الحجارة واقعَ المكان أشدّ صلابةً من حلمه.

بناءٌ يحيل إلى هدم وتقدّمٌ يحيل إلى تراجع؛ دائرة من الوهم ينأى فيها المكان عن ذاته، مودّعًا منظومة القيم والمبادئ المجتمعيّة التي عليها أنّ تشدّ أجزاءه وتصيغ من مفهوم الانتماء المجرّد إليه فعلًا حقيقيًّا. يواكب هذا الفقدان ويكرّسه تقوّض مستويات الوعي والمعرفة، وانهيار الذات في عملية تبرّؤها من أصلها وصراعها المحموم لمشابهة الآخر. في سقوط حر، يتحرّر المكان من خصائصه الجغرافية ويصبح انعكاسًا شفّافًا لجوهرنا، في المدينة لا مفرّ من الذات، فالمكان مرآة.

استنادًا إلى تجربتنا الجمعيّة الحيّة التي نختبر فيها علاقتنا مع المكان؛ يأتي هذا المعرض ليحاكم اللامعقول، ويومئ إلى هزلية التنافر بين خطاب يدّعي التّطوير والتّمكين، وأداء صريح في تكريسه للهدم والتّنازل، لا منفذ لتأويل هذه المساحة بعد الآن، انفصام فاضح في شخصيّة المكان بما هي عليه من تمثّلٍ لأخلاق المجتمع الذي صمّمه، أو ربما عبث في تصميمه.

سقوطٌ حرّ، مراوغةٌ لونيّةٌ لاستدعاء البهجة والجمال المفقودين في مبانٍ قلّصت مفهوم الحياة إلى فعل العيش؛ واعترافٌ قاسٍ بشبحيّة الواقع - خشية أن يغرق إدراكنا للمكان في النوستالجيا. وهو إيحاءٌ بصريٌّ إمّا عن مدينةٍ تبتلع الإنسان وتلاحقه، أو تلفظه وتغرّبه داخلها، ولكن، هل هذا حقًّا ما انتهينا إليه في سعينا نحو الحضارة؟

© Al Ma'mal 2017           privacy policy

  • Facebook Basic Black
  • Black Twitter Icon
  • Black Tumblr Icon